بقلم الناقد صادق حمزة منذر
قراءة نقدية لقصة " أفران بلا خبز" للكاتبة كوثر خليل
---------
بدَت المدينة ككابوس، الأطياف تحوم حولالأحياء ترتق الليل و النهار و
الحياة و الموت و قد اُنطفأت الأقمار فيها و عوَتالكلاب، عالَم كبير لا
يُريد أن يَسمع، ليس لديه من يُكاتِبُهُ و لا يعرف رَوَاءالحياة و لألأة
نجومها، معتكف في بيته و عمله و مناطق لهو حددتها المدينة و أحاطتهابسياج
من العيون المتراصّة تدور تدور و لا تستريح...الكل يسير في شبكة جغرافية
لايتعدّاها و قد أسرج أحصنته منذ زمن. ما عادت الروح تذكر مسارات اللهفة
البراقة وعدم اكتراث الطفولة، حتى الجرائد صارت جسرا إلى دنيا غير حقيقية و
لم تعد تصلح حتى لِلَفّ الأشياء.
يذكر أنّه جاء ليبدأ الحكاية من جديد، كان قد غادر المدينة حين لم يعدهناك
داعٍ لبقائه و عاد إليها يلثم اسمها و رائحة شوارعها و يحاول جاهدا أن
يُذيب الرصاص الذي عَلاها، لم يَرَ منهاإلا الوداع و لكنه رفض ان يرحل
ثانية كما فعل في المرة الأولى...ما كان عليه أنيرحل و يترك الآخرين يعصبون
عينيها و يقودونها إلى تِيه بلا نهاية، هو حبيبُها الذيرفض عجزَه و فرّ
نحو المدار ملوّحا بسعفة بيضاء، هرب إلى الفراغ ليستريح و هناكتربّعت في
عزلته و كوَت كل قطعة من لحمه الحيّ.
-هذه المدينة تملؤهاالكلاب السائبة! قطع تفكيرَه صوت شيخ يصرخ اُمتعاضا. و
مرّت جنازةٌ فلم يعرف مَن الميت فقد رحل منذ زمن طويل و اُمّحت ذاكرته
القريبة و البعيدة إلا من صورتها وبُنيانها الداكن المُتراصّ الأحجار و
طرقاتها الضيقة التي تُؤدي إلى كل مكان فيها.
-بطاقة الهوية من فضلك!
أليْس جَسدُهُ مصنوعا من تُرابها؟ مازال يشعر بحرارة يد الأم و هي تُشكّله
على المائدة الوطيئة و تبلّله بماء الزهر كلما جف و تنتظره حتى يكبر.
-بطاقة الهوية منفضلك!
كان الصوت جارحا، قوياو جارحا مختلفا عن الذبذبات التي تعوّد أن يسمعها في
مدينته. قدّم بطاقة الهويةبعينين منكسرتين. كل شيء نشاز، لم يعد فيها أي
شيء مثلما كان لا أحجار الأزقة و لازهر الشرفات و لا تَحايا الصباح.
قناعُها الرمادي صار يُصدر مُقاومة تجاهه و لم يعديسمع إلا ضحكات بلهاء
ترنّ في كأس فارغة و تمّحي فيالهواء..
ذلك الصخب الرقراق على ضفاف الأيام و تلك الغواية البيضاء و طفولة الأغاني
الأولى، لماذا لم يعد لأيّ شيء معنى، لا يمكن أن يترك هذا الهولُ إلا ذاكرة
مجروحة و أسوارا تطلع من كل مكان في الأرض متاهة بلا نهاية.
-أحمد..
كان صوت أمّه الحاني آتيا من بئر عميقة جفّ ماؤها و لم تعد تتغرغر إلا
بأصوات الماضي..اِلتفت إلى مصدرالصوت فلم يَرَ إلا الغبار و الأمطارَ
تبللهُ.. ها قد تركهُ كل شيء أدار له هو وجهه في الماضي.
-لن أرحل ثانية، ستكون هذه المدينة منفاي و قبري، لن أرحل حتى لو متّ واقفا، لن أرحل. سأستمر و أصنع ذاكرةجديدة.
عاد إلى بيت العائلة وبحث في الذكريات، خُبز أمه لم يكن يُجيده أحد، هو فقط
كان يعرف وصْفتَهُ. عمل لمدّةطويلة خبّازا يُطعم أهل المدينة و يُعيدهم
إلى رائحة الأرض، كان يخبز بيدين مقطوعتين و يحلم أن يكون لأطفاله أيدٍ
كاملة ليستطيعوا ضمّ هذه المدينة إلى صدورهم.
----------------------
الغربة والتغرب كانت دائما تمثل
مأساة إنسانية وأزمة عاطفية تترك الكثير من الندوب في النفس ولطالما تحدث
الكتاب والأدباء ورسموا ملامح اغترابهم في صفحات إبداعهم وبقيت
كل الدنيا سوداء .. سوداء وناقصة حتى يتاح لهم العودة إلى الوطن .. وكان
هذا يمثل حالة مزمنة لا تتوقف وتنسحب على الكثير من تفاصيل الحياة اليومية
وتطبع الكثير من المشاعر والدوافع والانفعالات النفسية .. ولهذا يصبح
الوطن هاجسا لدى المغتربين حتى يعودون إلى أرضه ويعيشون حالة إغراق عاطفي
مستمرة تظهر في ردود أفعالهم ..
وفي هذه القصة القصيرة حاولت
الكاتبة التونسية أن ترسم صورة لبلادها الثائرة في عيون أحد أبنائها
العائدين من الاغتراب .. وبمكن أن نقرأ في هذه القصة بضعة عناوين :
1- الحنين إلى الوطن الذي بدا يشكل رمزا كبيرا من رموز الحياة اليومية للفرد بعد قيام الثورة
وبدا أن للثورة الفضل في تأجيج هذا الشعور الوطني لدى جماهير الشعب وباتت
القضايا الوطنية تأخذ الأسبقية في جميع تفاصيل الحياة اليومية للفرد
نقرأ :
" لن أرحل ثانية، ستكون هذه المدينة منفاي و قبري، لن أرحل حتى لو متّ واقفا، لن أرحل. سأستمر و أصنع ذاكرةجديدة "
2- الشعور بالمسؤولية الوطنية حيث تخرج قضية الوطن من حيز المصلحة الفردية إلى حيز
الضمير والوجدان وتترك بصمة دامغة فوق الذاكرة الحاضرة والمستقبلية وهذا ما
يمكن أن نسميه الصحوة والتي تمثل حالة العثور على هدف سامي يستحق الحياة
من أجله ..
نقرأ :
" ما كان عليه أن يرحل و يترك الآخرين يعصبون عينيها و يقودونها إلى تِيه
بلا نهاية، هو حبيبُها الذي رفض عجزَه و فرّ نحو المدار ملوّحا بسعفة
بيضاء، هرب إلى الفراغ ليستريح و هناك تربّعت في عزلته و كوَت كل قطعة من
لحمه الحيّ. "
3- الأم .. هذه الصورة القوية لصانعة الحياة الأم التي
تشكل أولادها وتصنع منهم كائنات بشرية بالغة وكم تقترب في هذه الصورة من
الوطن الذي يشكل أبناءه ويطبعهم بطابعه وسماته , وبرغم البعد والقطيعة إلا
أنه يلازم أبناءه ويعيش داخلهم حتى لو هجروه .. ومع أن هذا الإسقاط
الكلاسيكي لمشاعر الأمومة على الوطن مكرر و مستهلك إلا أن الكاتبة قدمته
هنا بأسلوب متميز وشاعري ..
ونقرأ :
" أليْس جَسدُهُ مصنوعا من تُرابها؟ مازال يشعر بحرارة يد الأم و هي
تُشكّله على المائدة الوطيئة و تبلّله بماء الزهر كلما جف و تنتظره حتى
يكبر "
أذن كانت قصة كلاسيكية سردية ذات عرض درامي بسيط وحركة هادئة ونلاحظ في هذه القصة :
مع هذه اللغة الشعرية الجميلة والعالية السبك التي
تدفقت بين مشاعر الراوي - الكاتب وبين معالم شخصية البطل , إلا أنه بدا أن
الكاتبة قد تعمدت إظهار حياد سياسي لدى بطل القصة الذي لم نعرف عنه شيء
ذو خصوصية سوى أنه مغترب ..
1- فبدت هذه الشخصية الهلامية الملامح وغير الواضحة
أنها كانت متعمدة من قبل الكاتبة حيث أرادت أن تقدم شخصية فرد من هذا الشعب
لا على التعيين وبلا أية خصوصية ولا أية ملامح فردية واضحة , أنه مجرد
واحد من عامة الشعب ..
وهنا بدت أن مشاعر الراوي - الكاتب طغت على شخصية البطل في القصة التي ظهرت كمجرد هيكل أسبغت عليه مشاعر الراوي- الكاتب
2- كانت ملامح الكادر الذي تدور به الأحداث أكثر دقة ووضوحا من شخصية البطل وبدا الحديث
عن الوطن بكثير من الصور الحسية البصرية والعاطفية الأكثر حيوية و بناء
ونقرأ :
"و اُمّحت ذاكرته القريبة و البعيدة إلا من صورتها وبُنيانها الداكن
المُتراصّ الأحجار و طرقاتها الضيقة التي تُؤدي إلى كل مكان فيها."
3- كانت القصة تسير وفق مشهد واحد تم تفصيله على قياس
بطل واحد ولذلك جاءت القصة بطيئة الإيقاع وباردة الأوصال سيطرت عليها
السردية الكلاسيكية فكانت عبارة عن حكاية أقرب إلى مشهد أخذ من قصة من
كونها قصة قصيرة .. وكان الراوي - الكاتب هنا يقدم وصفا مشهديا خارجيا
للكادر .. إلى جانب ما يشبه المنلوج الداخلي لشخصية البطل .. وهذا أعطى
الكاتبة أريحية ومجالا رحبا لاستخدام أو لفرض لغة وصورة شعرية عالية على
الموقف الدرامي وعلى المشهدية المعنونة من البداية برمزية مسجلة برسم أفران
بلا خبز ..
4- العنوان كان رمزيا كما قلت وبعيدا عن الحدث
المشهدي حتى أن الخاتمة التي حوت الإشارة إلى الخبز بدت متسرعة قليلا ولم
تستوف مبرراتها الدرامية وفقا للتسلسل المشهدي .. مع أن الرمزية كانت جميلة
جدا ومبدعة في ربط مفهوم العطاء بالأصالة
المتوارثة عن السلف - الأم - وايضا ربط الفرد بمجتمعه على قاعدة العطاء غير
المرتبط بالمقابل بمثالية أخلاقية تكاد تكون نادرة في واقعنا الحالي ..
5- يسجل للكاتبة تصديها للحديث عن الثورة والوطن من
زاوية ضيقة ومختلفة كانت تمثل عين المغترب وهذا أعطى النص خصوصية وتميزا
في التناول رغم سرديته وكلاسيكية
مشهديته وأيضا كانت المعالجة السياسية والفكرية غابت عن الحدث هنا مما أتاح للكاتبة
حرية أكبر في عرض المشاعر الوطنية العامة والعائمة بلا أي تصنيف .. ..