قراءة في خاطرة "الفراشات لا تغضب" لسليمى السرايري
الفراشات لاتغضب
تجوب في غربةٍ تفاصيلالقصيدة،النقاط في مكانها...الفواصلُ كعادتها تجعل لها متنفّسا بينالكلمات..
أرهقها قليلا احتباسالأمنيات، فتسرّب لها البردُ من مكمن في حديقة تعتبرها الجنّة الصغيرة .
الليلة أُعْلِنَ علىالشريط الملوّن، أعراس اللغة.
شعرتْ بانّها تريدالغناء.... عفوا، عزف صوتها. جهّزت شهوتها، واحصت بصمت مريحٍ عدد الدمعات التيبلّلت غيوم غرفتها وهي تجهّزُ الفلك لتبحر في حفنة ماء بينيديه.
الليلُ هنا بلونالنبيذ...والانتظار مرهق، يحفرُ ثورته في الغبطةالمُرّة.
ظلّت تتشمّس في نفسها،فراشة ضاحكة تعرك حيرتها من صلصال القصيدة ثم تعجنها بالندى والمطر والعسل الفذ،فتصعد منها بين الفينة والأخرى تنهيدة مليئة بالحمام وهي تصبّ صوتها على سلّمالموسيقى.
هل تسمعها الحديقة ياترى؟؟
تسال نفسها فجاة ثمتطرق لتداعب اجنحتها الملوّنة.
تقف عند شرفة الانتظارغير عابئة بالبرد المتسرّب إليها من بين شقوق أرض ، تريد ان ترى السماء.
واصلت الفراشة عشقهابصمت، بعدما اكتشفت ان الحديقة باردة جدّا جدّا وقد تهاطل الغيم وتصاعد صريرالرماد.
داهمتها ريح عاريةوطيور عجاف، فأصبح المدى جثثا بيضاء طافت بذاتالقصيدة.
لمحت في البعد لذّةالعشق تطير على جناح اللحظة الهاربة. نادت صوتها الهارب هو أيضا منها خلف القصيدة،فضاع في الريح وازداد الغبار اتّساعا....
هناك في الطرف الآخر منمكان الإحتفال، الحديقة تصعد منها قسوة غريبة مبطّنة بطبقات سميكة من اللاّمبالاةوالفراشة تفكّ ضفائرها بالزغاريد لأجراس الغيوم.
ما أروع الريح تدخلمناطق الهدوء في ذاتها..قد تهتدي كلّ القصائد إلى صوتها، قد يتلعثم الشاعر حين يكبرفي السّفر عبر صوتها.... هي الفراشة إذن، تهوي على كفّ الحرف لولا عصفور إكتمل فيالمشهد الأخير لعرس الكلمات.
استدلّ بقلبه إليها ،كان هناك يعزف لحنه الفضيّ.....هناك على خزائنالجمان.
طارت إليه فالتقيا عندنقطة القصيدة. مدّ لها منديله فثقبته دموعها وجسدها الرقيق حاضن حفلالطعنات.
ضمّ اجنحتها برفق وجلسيسامرها، ثم همس لها :
الفراشات لاتغضب.
سليمىالسراير
أبدأ دخول عالم النص من عتبة العنوان: "الفراشات لا تغضب" ونجده يتكون من شقين: الشق الأول هو كلمة "الفراشات" لغويا هي حشرات صغيرة تتميز بألوانها الزاهية وجمالها ورقتها... الشق الثاني "لا تغضب", العبارة تحمل معنى النهي عن الانفعال والغضب. ومن ثمة فالفراشات تحيلنا إلى شخصية النص التي يفترض فيها ألا تغضب مهما كان مثير الغضب قويا. فالغضب يفقد صاحبه الصواب ويربك تصرفاته. وهكذا تحضر الفراشات في العنوان بإيحاءات: الرقة والجمال والشفافية, وهي من الصفات التي تكسب صاحبها وقارا ومصداقية, في مقابل غموض الآخر وسلوكياته التي تسيء إلى من يحيط به, متسببة له الأذى والإساءة.
إذا انتقلنا إلى النص, نجد مضمونه العام يتمحور حول استبطان شخصية الفرد في علاقته بمن يحيط به, ورصد مختلف السلوكيات والأحاسيس الإنسانية القائمة على التعارض والتناقض. وهكذا نقف في النص على وضعيات متباينة عايشتها الشخصية المحورية, وتتأرجح بين الحياة الطبيعية في فضائها الجميلنقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعيالقصيدة والحديقة) وما تحيلان إلية من صفاء ونقاء وعفوية وجمال, وبين عواصف الحياة الطارئة التي تكدر صفو الأشياء وتدمر الأحاسيس النبيلة.
فيبدأ النص بالتعبير عن حالة استقرار كانت البطلة (الفراشة) تعيشها بعفوية وحيوية في فضائها الفسيح (الطبيعة), حيث كانت تستمتع بحياتها في الحديقة (التي تعتبرها جنة) كل شيء في مكانه وكعادته, وما صاحب ذلك من مشاعر الفرح والغناء والعزف:النقاط في مكانها...الفواصلُ كعادتها تجعل لها متنفّسا بينالكلمات.. ـ الليلة أُعْلِنَ علىالشريط الملوّن، أعراس اللغة. ـ شعرتْ بانّها تريدالغناء.... عفوا، عزف صوتها. ـ لتداعب اجنحتها الملوّنة. ـ ،فراشة ضاحكة تعرك حيرتها من صلصال القصيدة ثم تعجنها بالندى والمطر والعسل الفذ، ...
ولكن شيئا ما كان يحاك في الخفاء, يريد أن يعكر هذا الصفو: (يتسرب إليها برد بين شقوق الأرض وهي غير عابئة به ـ الحديقة باردة جدا جدا...) والإشارة هنا إلى برودة المشاعر الإنسانية. وسرعان ما بدأت الأمور تنكشف, ويستجد ما ينغص هذا الهدوء والسكون والصفاء, حيث ينقلب الجو إلى ريح عاتية وطيور عجاف, والحياة التي كانت تتحول إلى موت يلاحق كل شيء:
بعدما اكتشفت ان الحديقة باردة جدّا جدّا وقد تهاطل الغيم وتصاعد صريرالرماد.
ويفاجئها ما لم يكن في الحسبان, تقول:
داهمتها ريح عاريةوطيور عجاف، فأصبح المدى جثثا بيضاء طافت بذاتالقصيدة.
فارتبكت وضاقت وغضبت واختنقت من هول الصدمة والمفاجأة:
لمحت في البعد لذّةالعشق تطير على جناح اللحظة الهاربة. نادت صوتها الهارب هو أيضا منها خلف القصيدة،فضاع في الريح وازداد الغبار اتّساعا....
هناك في الطرف الآخر منمكان الإحتفال، الحديقة تصعد منها قسوة غريبة مبطّنة بطبقات سميكة من اللاّمبالاةوالفراشة تفكّ ضفائرها بالزغاريد لأجراس الغيوم.
فقد أعلنت البطلة الرقيقة الشفافة امتعاضها مما حدث, وما صدر عن الآخر من تصرفات قاسية سببت لها الأذى. فجاء النص فيض مشاعر إنسانية غاضبة أوجعتها الخيانة والغدر حتى أفقدتها توازنها وهدوءها ويقينها بمن يحيط بها وانهارت:(الحديقة تصعد منها قسوة غريبة مبطّنة بطبقات سميكة من اللاّمبالاةوالفراشة تفكّ ضفائرها بالزغاريد لأجراس الغيوم ـ هي الفراشة إذن، تهوي على كفّ الحرف.).
وفي خضم هذا الغضب والانهيار نجد من يتدخل, ويعيد التوازن إلى الأشياء, فحين مد لها العصفور يده واحتواها وهمس بصوت ملائكي عبارة: "الفراشات لا تغضب", فهمت البطلة مغزى العبارة واستشعرت معناها العميق, فبدأت تستعيد صوابها الذي كادت تفقده بغضبها وحزنها الشديد, فانتشلها العصفور من ضياعها وبؤسها ومن حزنها وأعاد إليها ابتسامتها وتوازنها. وقد نهانا ديننا الحنيف عن الغضب لما يترتب عنه من ردود أفعال غير محمودة العواقب.
تفاعلت البطلة مع الحدث الطارئ ومع المحيط, فجاء النص بوح وبكاء وحزن شديد وانهيار. لتتجاوزه إلى رصد العلاقات الإنسانية القائمة في جانبها السلبي على النفاق والخداع والزيف...
وجاء المعجم والصور الشعرية معبرين عن حالة اليأس والقلق والحزن الذي خيم على نفسية فراشة النص وأفقدتها القدرة على التماسك والثبات فانتابها غضب شديد يوازيه غضب الطبيعة, وانهارت وعجزت عن فهم ما يدور حولها من سلوكيات غريبة, وارتقت لغة النص من التعبير عن تجربة ذاتية, إلى التعبير عن قضية إنسانية عامة, تجاوزت هذا الحدث الذي كان الدافع لكتابة هذا النص.
فكانت لغة النص الشعرية قادرة على استبطان أعماق الشخصية الإنسانية ورصد علاقات إنسانية تشوبها الكراهية والقسوة والغدر, وتكشف من ثمة عن إخفاق العلاقات الإنسانية وفساد الروح (النفاق والكراهية والقسوة) التي تدمر المشاعر الإنسانية النبيلة.
أخلص إلى أن المبدعة سليمى السرايري انطلقت من تجربة ذاتية لتسلط الضوء على العلاقات الإنسانية للفرد مع محيطه القائمة على الضبابية والغموض والتوتر والإساءة إلى الآخر بدوافع متعددة كالغيرة والحسد والكراهية والقائمة كذلك ثنائيات: الشفافية/ الغموض الصدق/ النفاق ـ الحقيقة/ الكذب...وزيف الأمور والأقنعة الاجتماعية الملونة.....