***************************
1-نجيةيوسف
سليمى والفراشات لا تغضب
قالت سليمى :
لا تبحث حبيبي عن هدايا العيد
فكل الهدايا أنا
وأنا وحدي الدليل .
وهذه أنت هنا هدية الجمال وحرفك هنا الدليل.
لم
تكن رحلة عادية تلك التي عشتها هنا ، ولم يكن سهلا علي عبورها ، وزادي
قليل ووجلي منها كبير لأنني أنطلق من ذوق خاص وقراءة ذاتية وهواية تدفعني
لنبش ما وراء الحرف وتفكيك الصور .
فعذرا من أرباب النقد إن تطفلت على صنعتهم .
فعذرا من أرباب النقد إن تطفلت على صنعتهم .
كانت دعوةً من فراشة هذا
الحرف لأطير في حديقتها وها أنا فيها كطفل حديث الخطو يتعرف على الأشياء ،
فعذرا إن لم تبلغ قراءتي جمال ما قرأتُ في هذا النص .
نص يأخذك منذ العنوان وحتى النهاية في حكاية فراشة انتصرت على الألم .
فراشة عنيدة وإن أثخنتها
الطعنات وأحرقت منديل عصفورها بما تساقط عليه من دموعها . فراشة أخذتنا
معها إلى حيث القصيدة والحكاية ، إلى حديقة تثور فيها الريح ويتسرب البرد
ويعلو الغبار ، فتضحك وتصب نفسها على سلم الموسيقى .....
معها سأبحر اليوم ومع :
بداية وقوفي كانت هنا وكان العنوان !!
الفراشة رمز الرقة ، والحرية ، والانطلاق ، رمز الجمال ، والربيع ، جاءت لتقول لنا هنا نص يمتد في تفاصيل الربيع ، بدأته قائلة :
تجوب في غربةٍ تفاصيل القصيدة،
النقاط في مكانها...الفواصلُ كعادتها تجعل لها متنفّسا بين الكلمات..
أرهقها قليلا احتباس الأمنيات، فتسرّب لها البردُ من مكمن في حديقة اعتبترها الجنّة الصغيرة .
فجاءت البداية تمسك بيد خيالك لتقول له جهز نفسك للرحلة .
ثلاث كلمات عليك السير باحثا عنها :
تجوب ، غربة ، قصيدة
فـ [ تجوب]
فعل يستمر معه الحدث في الحاضر وينطلق بك إلى المستقبل ليقول لك إنك هنا في رحلة مع الحكاية .....
لم يكن فعلا ماضيا ليقرر
أمام خيالك انتهاءً لحدث ولا فعلَ أمر ليطلب منك البداية قسرا إلى الحدث ،
هو فعل ينساب معك يأخذك برفق والفراشة تدعوك إليها من خلال أسلوب القص
والحكاية ، وهو الأسلوب الذي أراها تأخذ فيه منحى جديدا يبهرنا فيه تواصل
خيط القص منذ لحظة العنوان وحتى النهاية ، هذه النهاية التي جاءت بقفلة
صادمة بهية رائعة .
ولنبدأ معها الحكاية حين
ينساب بنا الفعل [ تجوب ] شاحذا خيالنا مهيئا إيانا لنجوب معها في مسافات
رحلة هذه المشاعر التي عزفتها على أنغام تَردُّدِ جناحِ فراشة .
والقصة كما قلت تعطينا عناصرها بثلاث كلمات ، تجوب ، وهو الدعوة إلى الرحلة ، غربة ، وهو العقدة التي سيدور حولها خيط القص وتأخذنا الشاعرة فيها إلى تفاصيل غربة وألم ترسمه لنا من خلال العنصر الثالث وهو القصيدة التي سيكون رمزها ذلك العصفور الشاعر والذي سيلفها في منديله ويكون عنده هو سر الأمل.
فهاهي
تجوب في غربةٍ تفاصيل القصيدة،
لتجد الصمت والثبات والجمود
فـ
النقاط في مكانها...
الفواصلُ كعادتها تجعل لها متنفّساً بين الكلمات
جملتان اسميتان ترسمان لك حقيقة المشهد وتعطيك صدمة الموقف .
فالنقاط في مكانها ، لا تسمح بالكلام . تقف أمام عينيها سدا لا يسمح لها بالتجاوز ، والفواصل بين الجمل تقف
[ كعادتها ] تترك فسحة بين المشاعر لتنطلق بين الكلمات ، وقد جاءت هنا كلمة [ كعادتها ]
لتضيف بعدا معنويا كبيرا يوحي بمزيد من اصطفاف الرتابة في نفسها وبرودة المشهد الذي يهبها كثيرا من الإرهاق ،
[ كعادتها ] تترك فسحة بين المشاعر لتنطلق بين الكلمات ، وقد جاءت هنا كلمة [ كعادتها ]
لتضيف بعدا معنويا كبيرا يوحي بمزيد من اصطفاف الرتابة في نفسها وبرودة المشهد الذي يهبها كثيرا من الإرهاق ،
وتدخل بك إلى عالمها الداخلي وما ألقاه هذا السكون عليها لتقول :
أرهقها [ قليلا ] احتباس الأمنيات
وهذا الإرهاق وإن كان قليلا إلا أنه سمح للبرد أن يتسرب إليها من [ مكمن في الحديقة ]
أرهقها قليلا احتباس الأمنيات، فتسرّب لها البردُ من مكمن في حديقة اعتبترها الجنّة الصغيرة
يخيل إلي أن كل حرف هنا وُظف
توظيفا رائعا في هذه القصة ـ وأُصر على أنها قصة برغم اختيار الكاتبة
للخاطرة مكانا لها ـ ، حتى حروف الربط المستخدمة هنا من حروف العطف والجر
لم تكن عبثية الحضور .
فالبرد لم يتسرب من الحديقة ،
بل من مكْمنٍ فيها ، شيء ما في هذه الحديقة سرب البرد بدايةً إليها ولا
ننسى أن هذه الحديقة هي ما تراه جنتها الصغيرة .
الليلة أُعْلِنَ على الشريط الملوّن، أعراس اللغة.
شعرتْ بانّها تريد
الغناء.... عفواً، عزف صوتها. جهّزت شهوتها، واحصت بصمت مريحٍ عدد الدمعات
التي بلّلت غيوم غرفتها وهي تجهّزُ الفلك لتبحر في حفنة ماء بين يديه
نقلة خفيفة تضيء لنا امتداد الحدث في ذهنها حين أخذتنا إلى عالم الحلم الذي صدمه سكون الفواصل ورتابة المكان .
هاهي تعلن عن ذلك الحدث الذي جهزت له شهوتها وصوتها للغناء في عرسه وحلمت لأجله بالإبحار في حفنة ماء بين يديه .
حقيقةً
، أذهلني هذا التصوير ، كيف تبحر في حفنة ماء ؟!! وليس أي حفنة ، بل بين
يديه ، وهل تكفي الحفنة للإبحار ؟؟ وما أروع حميمية المشهد حين يكون بين
يديه .
حلم يراودها ، تجهز له صوتها ليصدح بالغناء وتشاركه الحدث
الليلُ هنا بلون النبيذ...والانتظار مرهق، يحفرُ ثورته في الغبطة المُرّة.
تواصلت مع قارئها بسحبه برفق إلى حيث هي من الداخل ،
ومن خلال جمل متلاحقة التصوير زرعت كمّا كبيرا من الألم الذي أجبرتنا على مشاركتها فيه بلذة .
الليل بلون النبيذ
الانتظار مرهق
يحفر ثورته في الغبطة المرة
صور متلاحقة وظفت فيها كل
كلمة توظيفا رائعا ، لا زيادة في ولا نقصان ، مفردات جيء بها بقدر حتى
عندما صورت ذلك الانتظار وهبته صورة خارج نطاق الوقت ومفرداته ، بل جاءت
بمفردات توحي إيحاء أعمق بأثر الانتظار في نفسها حين صوّرتْه يحفر ثورةً
في الغبطةِ المرة ، ففِعْل يحفر بحد ذاته يهبك القسوة والتعب ومواصلة
الحدث ، ولكنه لا يحفر شيئا عاديا بل يحفر ثورة ، صورة مركبة غاية في
الجمال والقدرة على إيصال المعنى لقسوة مرور الوقت الذي حرمها غبطتها
وسعادتها المكسوة بالمرار ، صورة فوق صورة وروعة تقودك إلى أخرى .
ظلّت تتشمّس في نفسها، فراشة ضاحكة تعرك حيرتها من
صلصال القصيدة ثم تعجنها بالندى والمطر والعسل الفذ، فتصعد منها بين
الفينة والأخرى تنهيدة مليئة بالحمام وهي تصبّ صوتها على سلّم الموسيقى.
وهنا يأتيك الحدث رهوا ،
ينتقل المشهد وبسلاسة جميلة إلى حركاتها الخارجية بعد أن دخلنا معها عالم
الشعور ؛ فهاهي من الخارج ضاحكة متماسكة تعرك حيرتها من صلصال القصيدة ،
وتأتيك هذه اللفظة المدهشة واللقطة المتفردة في قولها
[ تعرك حيرتها من صلصال القصيدة ]
[ تعرك حيرتها من صلصال القصيدة ]
كيف
جاهدت نفسها كيف قاومت حيرتها كيف جعلت من هذه الصورة في عرْكِ الحيرة
والصلصال ومضةً ترينا حركة المقاومة ، الفعل ورد الفعل والقدرة على التشكيل
كما يشكل الصلصال .
ولا ننسى الضحكة التي تعلو المحيا وكأنها رمز للأمل الذي تسعى به طرد شبح الخيبة المرة .
فهاهي تتشمس في نفسها فراشة ضاحكة .
ولا ننسى الضحكة التي تعلو المحيا وكأنها رمز للأمل الذي تسعى به طرد شبح الخيبة المرة .
فهاهي تتشمس في نفسها فراشة ضاحكة .
***
وها أنا معها كلما حاولت المضي إلى فقرة وجدت ما قبلها يشدني إليه يعاتبني على عدم المرور عليه .
***
كيف جمعَت هنا بين خلقِ الفرح ورسمِ الصورة للقلق ؟؟ !!
هل تسمعها الحديقة يا ترى؟؟
تسال نفسها فجاة ثم تطرق لتداعب اجنحتها الملوّنة
سؤال فيه من الأمل الكثير والرغبة الكثير والقلق الكثير ، تقف عند شرفة الانتظار غير عابئة بالبرد المتسرّب إليها من بين شقوق أرض ،
تريد أن ترى السماء
يأتيك هذا السؤال ليربط بين عالمين عالم الشعور في الداخل وهذه الوقفة المتأملة للخارج ،
لتدخل عالم الأمل أكثر وتربطنا بذلك البرد الذي تسرب إليها في بداية المشهد لتعلن هنا موقفها منه ، إنها غير عابئة بتسربه ،
فهذا البرد موطنه الأرض أما هي فتريد أن ترى السماء .
يا الله ، رحلة رائعة راقية بين مجاهل اليأس والأمل وقدرة بهية من الكاتب أن يأخذك بسلاسة ونشوة إلى عالمه .
واصلت الفراشة عشقها بصمت، بعدما اكتشفت أن الحديقة باردة جدّاً جدّاً وقد تهاطل الغيم وتصاعد صرير الرماد.
داهمتها ريح عارية وطيور عجاف، فأصبح المدى جثثاً بيضاء
طافت بذات القصيدة.
لمحت في البعد لذّة العشق تطير على جناح اللحظة الهاربة.
نادت صوتها الهارب هو أيضاً منها خلف القصيدة، فضاع في الريح وازداد الغبار اتّساعاً....
هناك في الطرف الآخر من مكان الاحتفال، الحديقة
تصعد منها قسوة غريبة مبطّنة بطبقات سميكة من
اللاّمبالاة ، والفراشة تفكّ ضفائرها بالزغاريد لأجراس الغيوم.
ما أروع الريح تدخل مناطق الهدوء في ذاتها..
لم أستطع هنا أن أقتلع مقطعا أو أتصرف بمشهد ، هنا تأتيك عقدة القصة تتوالى بمشاهد سريعة متلاحقة .
فهاهي بين برد يشتد ومواصلة بصمت أمام هذا البرد أصبحت تراه على حقيقته شديدا
بل داهمتها معه الغيوم والريح واتسع الغبار ومع ذلك نجدها تفك ضفائرها بالزغاريد لأجراس الغيوم ،
كيف اهتدت الكاتبة لهذه الصورة ؟؟
كيف تفك الفراشة ضفائرها ؟؟ صورة أخرى تحمل جمال الاستعارة والتخييل فلم يكن فكها عاديا بل بالزغاريد ، كيف يكون للصوت يد تفك الضفائر وكيف يكون للغيوم أجراس .
إصرار رائع على الفرح ، تماسك نعجب له حين يكون من فراشة !
ولن نعجب ، لن نستغرب كل هذه القوة وهذا الأمل حين نقرأ :
فهاهي بين برد يشتد ومواصلة بصمت أمام هذا البرد أصبحت تراه على حقيقته شديدا
بل داهمتها معه الغيوم والريح واتسع الغبار ومع ذلك نجدها تفك ضفائرها بالزغاريد لأجراس الغيوم ،
كيف اهتدت الكاتبة لهذه الصورة ؟؟
كيف تفك الفراشة ضفائرها ؟؟ صورة أخرى تحمل جمال الاستعارة والتخييل فلم يكن فكها عاديا بل بالزغاريد ، كيف يكون للصوت يد تفك الضفائر وكيف يكون للغيوم أجراس .
إصرار رائع على الفرح ، تماسك نعجب له حين يكون من فراشة !
ولن نعجب ، لن نستغرب كل هذه القوة وهذا الأمل حين نقرأ :
ما أروع الريح تدخل مناطق الهدوء في ذاتها..
نعم فهاهي الريح تدخل مناطق السكون في ذاتها ، رائع هذا الانتصار وهذا الهدوء والذي سنجد سببه الآن :
قد تهتدي كلّ القصائد إلى صوتها، قد يتلعثم الشاعر حين يكبر في السّفر عبر صوتها....
هي الفراشة إذن، تهوي على كفّ الحرف لولا عصفور إكتمل في المشهد الأخير لعرس الكلمات.
استدلّ بقلبه عليها ، كان هناك يعزف لحنه الفضيّ.....
هناك على خزائن الجمان
طارت إليه فالتقيا عند نقطة القصيدة.
مدّ لها منديله فثقبته دموعها وجسدها الرقيق حاضن حفل الطعنات
إنه العصفور ، الذي اهتدى إليها ، فطارت إليه ليلتقيا عند نقطة القصيدة ،
شاعر يحتضن في كفه شاعرة ، هاهي الآن تبحر في حفنة ماء بين يديه استدل عليها بقلبه مد لها منديله الذي لم يحتمل لرقته هو الآخر حرارة دمعها والألم وقسوة مشهد جسدها المثقل بالطعنات ،
مشهد
درامي رائع لم يكن لتتم له الروعة عند التقاء هذه الفراشة بذلك العصفور
وهي بين يدي منديله وقد ثقبت حرارة دمعها المنديل ، لم تكن لينتصر الجمال
هنا لولا تلك الدهشة التي عقلت لسان القارئ حين انتصر الأمل ، وهمس بأذنها
قائلا :
الفراشات لا تغضب .
ما أروع هذا اللقاء ، وهذا الحنان ، وهذه المواساة وطرد كل آثار الألم لتبقى فراشة محلقة في سماء الأمل والجمال.
الفراشات لا تغضب .
ما أروع هذا اللقاء ، وهذا الحنان ، وهذه المواساة وطرد كل آثار الألم لتبقى فراشة محلقة في سماء الأمل والجمال.
رائع أيتها الراقية وأكثر .
ولن أجد بعد ذلك ما أضيف .
ولن أجد بعد ذلك ما أضيف .
وإن كان هناك الكثير الكثير ، والذي يعجز عنه مداي .
*************
*************
2- زهور بن السيد
*************** قراءة في خاطرة "الفراشات لا تغضب" لسليمى السرايريأبدأ دخول عالم النص من عتبة العنوان: "الفراشات لا تغضب" ونجده يتكون من شقين: الشق الأول هو كلمة "الفراشات" لغويا هي حشرات صغيرة تتميز بألوانها الزاهية وجمالها ورقتها... الشق الثاني "لا تغضب", العبارة تحمل معنى النهي عن الانفعال والغضب. ومن ثمة فالفراشات تحيلنا إلى شخصية النص التي يفترض فيها ألا تغضب مهما كان مثير الغضب قويا. فالغضب يفقد صاحبه الصواب ويربك تصرفاته. وهكذا تحضر الفراشات في العنوان بإيحاءات: الرقة والجمال والشفافية, وهي من الصفات التي تكسب صاحبها وقارا ومصداقية, في مقابل غموض الآخر وسلوكياته التي تسيء إلى من يحيط به, متسببة له الأذى والإساءة.الفراشات لاتغضبتجوب في غربةٍ تفاصيلالقصيدة،النقاط في مكانها...الفواصلُ كعادتها تجعل لها متنفّسا بينالكلمات..أرهقها قليلا احتباسالأمنيات، فتسرّب لها البردُ من مكمن في حديقة تعتبرها الجنّة الصغيرة .الليلة أُعْلِنَ علىالشريط الملوّن، أعراس اللغة.شعرتْ بانّها تريدالغناء.... عفوا، عزف صوتها. جهّزت شهوتها، واحصت بصمت مريحٍ عدد الدمعات التيبلّلت غيوم غرفتها وهي تجهّزُ الفلك لتبحر في حفنة ماء بينيديه.الليلُ هنا بلونالنبيذ...والانتظار مرهق، يحفرُ ثورته في الغبطةالمُرّة.ظلّت تتشمّس في نفسها،فراشة ضاحكة تعرك حيرتها من صلصال القصيدة ثم تعجنها بالندى والمطر والعسل الفذ،فتصعد منها بين الفينة والأخرى تنهيدة مليئة بالحمام وهي تصبّ صوتها على سلّمالموسيقى.هل تسمعها الحديقة ياترى؟؟تسال نفسها فجاة ثمتطرق لتداعب اجنحتها الملوّنة.تقف عند شرفة الانتظارغير عابئة بالبرد المتسرّب إليها من بين شقوق أرض ، تريد ان ترى السماء.واصلت الفراشة عشقهابصمت، بعدما اكتشفت ان الحديقة باردة جدّا جدّا وقد تهاطل الغيم وتصاعد صريرالرماد.داهمتها ريح عاريةوطيور عجاف، فأصبح المدى جثثا بيضاء طافت بذاتالقصيدة.لمحت في البعد لذّةالعشق تطير على جناح اللحظة الهاربة. نادت صوتها الهارب هو أيضا منها خلف القصيدة،فضاع في الريح وازداد الغبار اتّساعا....هناك في الطرف الآخر منمكان الإحتفال، الحديقة تصعد منها قسوة غريبة مبطّنة بطبقات سميكة من اللاّمبالاةوالفراشة تفكّ ضفائرها بالزغاريد لأجراس الغيوم.ما أروع الريح تدخلمناطق الهدوء في ذاتها..قد تهتدي كلّ القصائد إلى صوتها، قد يتلعثم الشاعر حين يكبرفي السّفر عبر صوتها.... هي الفراشة إذن، تهوي على كفّ الحرف لولا عصفور إكتمل فيالمشهد الأخير لعرس الكلمات.استدلّ بقلبه إليها ،كان هناك يعزف لحنه الفضيّ.....هناك على خزائنالجمان.طارت إليه فالتقيا عندنقطة القصيدة. مدّ لها منديله فثقبته دموعها وجسدها الرقيق حاضن حفلالطعنات.ضمّ اجنحتها برفق وجلسيسامرها، ثم همس لها :الفراشات لاتغضب.سليمىالسراير
إذا انتقلنا إلى النص, نجد مضمونه العام يتمحور حول استبطان شخصية الفرد في علاقته بمن يحيط به, ورصد مختلف السلوكيات والأحاسيس الإنسانية القائمة على التعارض والتناقض. وهكذا نقف في النص على وضعيات متباينة عايشتها الشخصية المحورية, وتتأرجح بين الحياة الطبيعية في فضائها الجميلالقصيدة والحديقة) وما تحيلان إلية من صفاء ونقاء وعفوية وجمال, وبين عواصف الحياة الطارئة التي تكدر صفو الأشياء وتدمر الأحاسيس النبيلة.
فيبدأ النص بالتعبير عن حالة استقرار كانت البطلة (الفراشة) تعيشها بعفوية وحيوية في فضائها الفسيح (الطبيعة), حيث كانت تستمتع بحياتها في الحديقة (التي تعتبرها جنة) كل شيء في مكانه وكعادته, وما صاحب ذلك من مشاعر الفرح والغناء والعزف:النقاط في مكانها...الفواصلُ كعادتها تجعل لها متنفّسا بينالكلمات.. ـ الليلة أُعْلِنَ علىالشريط الملوّن، أعراس اللغة. ـ شعرتْ بانّها تريدالغناء.... عفوا، عزف صوتها. ـ لتداعب اجنحتها الملوّنة. ـ ،فراشة ضاحكة تعرك حيرتها من صلصال القصيدة ثم تعجنها بالندى والمطر والعسل الفذ، ...
ولكن شيئا ما كان يحاك في الخفاء, يريد أن يعكر هذا الصفو: (يتسرب إليها برد بين شقوق الأرض وهي غير عابئة به ـ الحديقة باردة جدا جدا...) والإشارة هنا إلى برودة المشاعر الإنسانية. وسرعان ما بدأت الأمور تنكشف, ويستجد ما ينغص هذا الهدوء والسكون والصفاء, حيث ينقلب الجو إلى ريح عاتية وطيور عجاف, والحياة التي كانت تتحول إلى موت يلاحق كل شيء:
بعدما اكتشفت ان الحديقة باردة جدّا جدّا وقد تهاطل الغيم وتصاعد صريرالرماد.ويفاجئها ما لم يكن في الحسبان, تقول:داهمتها ريح عاريةوطيور عجاف، فأصبح المدى جثثا بيضاء طافت بذاتالقصيدة.فارتبكت وضاقت وغضبت واختنقت من هول الصدمة والمفاجأة:فقد أعلنت البطلة الرقيقة الشفافة امتعاضها مما حدث, وما صدر عن الآخر من تصرفات قاسية سببت لها الأذى. فجاء النص فيض مشاعر إنسانية غاضبة أوجعتها الخيانة والغدر حتى أفقدتها توازنها وهدوءها ويقينها بمن يحيط بها وانهارت:(الحديقة تصعد منها قسوة غريبة مبطّنة بطبقات سميكة من اللاّمبالاةوالفراشة تفكّ ضفائرها بالزغاريد لأجراس الغيوم ـ هي الفراشة إذن، تهوي على كفّ الحرف.).لمحت في البعد لذّةالعشق تطير على جناح اللحظة الهاربة. نادت صوتها الهارب هو أيضا منها خلف القصيدة،فضاع في الريح وازداد الغبار اتّساعا....هناك في الطرف الآخر منمكان الإحتفال، الحديقة تصعد منها قسوة غريبة مبطّنة بطبقات سميكة من اللاّمبالاةوالفراشة تفكّ ضفائرها بالزغاريد لأجراس الغيوم.
وفي خضم هذا الغضب والانهيار نجد من يتدخل, ويعيد التوازن إلى الأشياء, فحين مد لها العصفور يده واحتواها وهمس بصوت ملائكي عبارة: "الفراشات لا تغضب", فهمت البطلة مغزى العبارة واستشعرت معناها العميق, فبدأت تستعيد صوابها الذي كادت تفقده بغضبها وحزنها الشديد, فانتشلها العصفور من ضياعها وبؤسها ومن حزنها وأعاد إليها ابتسامتها وتوازنها. وقد نهانا ديننا الحنيف عن الغضب لما يترتب عنه من ردود أفعال غير محمودة العواقب.
تفاعلت البطلة مع الحدث الطارئ ومع المحيط, فجاء النص بوح وبكاء وحزن شديد وانهيار. لتتجاوزه إلى رصد العلاقات الإنسانية القائمة في جانبها السلبي على النفاق والخداع والزيف...
وجاء المعجم والصور الشعرية معبرين عن حالة اليأس والقلق والحزن الذي خيم على نفسية فراشة النص وأفقدتها القدرة على التماسك والثبات فانتابها غضب شديد يوازيه غضب الطبيعة, وانهارت وعجزت عن فهم ما يدور حولها من سلوكيات غريبة, وارتقت لغة النص من التعبير عن تجربة ذاتية, إلى التعبير عن قضية إنسانية عامة, تجاوزت هذا الحدث الذي كان الدافع لكتابة هذا النص.
فكانت لغة النص الشعرية قادرة على استبطان أعماق الشخصية الإنسانية ورصد علاقات إنسانية تشوبها الكراهية والقسوة والغدر, وتكشف من ثمة عن إخفاق العلاقات الإنسانية وفساد الروح (النفاق والكراهية والقسوة) التي تدمر المشاعر الإنسانية النبيلة.
أخلص إلى أن المبدعة سليمى السرايري انطلقت من تجربة ذاتية لتسلط الضوء على العلاقات الإنسانية للفرد مع محيطه القائمة على الضبابية والغموض والتوتر والإساءة إلى الآخر بدوافع متعددة كالغيرة والحسد والكراهية والقائمة كذلك ثنائيات: الشفافية/ الغموض الصدق/ النفاق ـ الحقيقة/ الكذب...وزيف الأمور والأقنعة الاجتماعية الملونة.....
3- محمد الصاوى السيد حسين

مستشار أدبي
حقيقة لا يبدو لى من حيث بنية النص أنى أمام خاطرة ، الخاطرة تحليق حر فى أفق اللحظة الآنية وما تعكسه من ظلال جمالية على الوجدان ، بينما ما يبدو جليا فى هذا النص هو معمار السرد من حيث المفتتح والصراع والتنوير ، ربما تكون بنية التخييل والتى تقوم على مجازية عميقة ، وكذلك على طبيعة حدث يحدث فى الوجدان ، بما يجعلنا أمام بنية تخييل شديدة التكثيف وقريبة من الشعر ، ولكن الحقيقة أن الذى بين النثر والشعر خيط حرير رهيف جدا فى هذا النص ، لكن يظل النص نصا سرديا ذا حدث سردى يتصاعد أمام بصائرنا منذ المفتتح (تجوب في غربةٍ تفاصيل القصيدة،النقاط فيمكانها...الفواصلُ كعادتها تجعل لها متنفّسا بين الكلمات..أرهقها قليلا احتباس الأمنيات، فتسرّب لها البردُمن مكمن في حديقة اعتبترها الجنّة الصغيرة )
وفى هذا المفتتح نحن أمام :-
- تمهيد عبر الاستعارة المكنية التى تخيل لنا مدينة تنبض على الورق تجوبها بطلة النص بما يبدأ دفقة التخييل بسمات دلالية واضحة عن هذى البطلة التى تلوذ بعالم حالم تتخيله إلى درجة أنها تسكنه وتجوبه ، وهذى السمات تجلو لنا لمحة عن التكوين النفسى لهذى البطلة وطبيعة حركتها داخل النص وبصيرتها تجاه الحياة
- سيكون هذا التمهيد إحدى درجات تصاعد الحدث والذى سيمهد لنا تلقى حركة البطلة بما يتناغم مع ساكنة تجوب مدن الكلمات ، فلن يكون نافرا تلقي هذى اللوحة عبر الاستعارة المكنية
(ظلّت تتشمّس في نفسها، فراشة ضاحكة تعرك حيرتها منصلصال القصيدة ثم تعجنها بالندى والمطر والعسل ، فتصعد منها بين الفينة والأخرىتنهيدة مليئة بالحمام وهي تصبّ صوتها على سلّمالموسيقى.)
إن توحدها مع عالم الكلمات ومدينة الورق يجعل لها شمسها التى تستمع بها وحدها فى أفق وجدانها ، ومشاعرها التى تحيلها فراشة عبر علاقة الحال ( فراشة ضاحكة ) والذى يمثل تشبيها بليغا متحولا من الجملة الاسمية ، وسيكون متناغما بالتالى مع التمهيد الذى خيل لنا طبيعة عالمها أن تكون تنهيدتها تنهيدة أخرى كتنهيدة الملائكة ترف فيها الحمائم وتهطل الموسيقى
- ثم ها هو السرد ينقلنا نقلة جيدة عبر تكثيف المشهد الذى تلقيناه معبرا عن بدء تغاير حالة النشوة والمتعة الوجدانية التى تسبح بها بطلة النص ونتلقى سياق
(واصلت الفراشة عشقها بصمت، بعدما اكتشفت أن الحديقةباردة جدّا جدّا وقد تهاطل الغيم وتصاعد صرير الرماد.داهمتها ريح عارية وطيور عجاف، فأصبح المدى جثثابيضاء طافت بذات القصيدة.لمحت في البعد لذّة الموت عشقا تطير على جناحاللحظة الهاربة.نادت صوتها الهارب منهاأيضاخلف القصيدة، فضاع في الريح وازداد الغباراتّساعا.... )
هنا نحن أمام سياق مفصلى يغاير أمام بصائرنا من طبيعة الحدث الذى يتعمل به ليس الواقع ولكن وجدان بطلة النص ، إنها تبدأ فى مكابدة اكتشاف هشاشة عالمها الورقى وعدم قدرتها على أن يكون عالما حقيقيا يصمد كملاذ آمن ، إنه يذكرنا بشرنقة الفراشة التى لا يمكن أن تحتضن الفراشة إلى الأبد ، ها هى الريح والغبار والجثث البيضاء وهى جميعا استعارات تصريحية دالة على مشاعر الألم والحسرة وتجرع الانكسارات تهاجم عالمها الحالم الورقى ، أى أننا أمام تغايرالحدث وتطور بنية السرد تجاه الصراع وتعقد الحدث
- ثم نداح سياق السرد تجاه تكثيف الصراع وتعقده فى وجدان بطلة النص إلى أن نتلقى هذا الختام الباهر
( طارت إليه فالتقيا عند نقطة القصيدة.مدّ لهامنديله فثقبته دموعها وجسدها الرقيق حاضن حفل الطعنات.ضمّ أجنحتها برفق وجلس يسامرها، ثم همس لها :الفراشات لاتغضب. )
إن الحبيب الذى استدل بقلبه عليها لابد وأن يكون هو شمس التنوير الباهرة فى سياق السرد ، هنا يصل السرد إلى إضاءة عذبة حين تمتد يد البطل لتنقذ البطلة من حزنها الذى لا يبرأ ومن تهويمها فى عالمها الورقى الحالم الذى يحاصره القلق والجفاف ، بل إن الحديقة التى ترمز لهذا العالم الوجدانى الرهيف تبدو فى حالة من السخط على لواذ البطلة بها ، فكأنها تدفعها دفعا إلى أن تحلق بجناحيها كما تفعل الفراشة بعيدا حين تستريح على غصن زهرة أو تتيبس شرنقتها التى تسكنها ، هذا التحليق وهذى اليد التى تمسح الدمع هو الحدث الذى يوازن بين عالم الحلم وعالم الحقيقة ، بين الأمنيات الحالمة وبين دفء حضور الآخر والتناغم معه فى سبيكة إنسانية تنفى عنها ما يعلق بها من انهزام أو تقوقع فى عالم الحلم مهما كان جميلا حالما
- كانت هذى وقفة سريعة مع هذى القصة الرمزية التى دار حدثها فى الوجدان وتصاعد فى عالمه الجمالى الخاص وقدم رسالته الإنسانية النبيلة عبر تخييل ثرى يكنز الكثير من الجمال والمتعة
*****************
4-بلقاسم علواش
أولا:
العتبات الرئيسة: الفراشات لا تغضب
إن
كان الكتاب يقرأ من عنوانه ويتصفح من فهرسه، فبين البداية والنهاية
تُحتوى الكلمات وتساق في ثناياها العبارات الحاملة كل المعاني والمقاصد
والدلالات، وللجوهر المكنون إشارات خارجية تحيل إليه، وللنص عتبات يلج
عبرها القراء، يرتقون من خلالها أدراج النصوص، قد تحيل إلى معنى النص كليا
وقد تحيل إليه جزئيا، فترسم خارطة طريق القراءة، تهدي القارئ في مجاهيل
النص وتعاريجه وتموجاته، ولابد من التوقف عند العنوان كأول عتبة تصادف
الناقد، لأن العنوان له مجسات محيلة على محتوى النص وعمقه وبنياته الدالة،
قد يرفد النص بالدلالة المطلوبة، وقد يكون علامة محورية تمسك بزمام فعل
القراءة المنتج وتثريه وتمنعه من الزيغ والتيهان.
إن
الفراشات كائنات ترمز للحب وللبراءة وللطفولة وللأنوثة وللزهور وللربيع،
إنها حقل الخصوبة والألوان، إنها جمال ماتع ونماء وخضرة وحياة في استمرار
وإصرار، كما قال الشاعر المهجري الكبير إيليا أبو ماض:
كم تدورين حول البيت حائرة***بنت الربى ليس مأوى الناس مأواك
قالوا فراشة حقل لا غناء بها *** ما أفقر الناس في عيني وأغناك!
لا تغضب
هذا
النفي للغضب، هو نفي أبدي دائم مستمر، كأنما هو صفة غائبة عن المخاطب،
يريد الناص التأكيد في ثقة ويقين على أن استفزاز الفراشة ضرب من المستحيل،
وطريق مسدود، وهو في الآن ذاته رمي بالجهالة، وسخرية من الموقف الذي جاء
النص ليتخذه، وليرد به، إن النص حمّال أوجه، لا يعطي كله إلا لمن أحاط بكل
تفرعاته وجزئياته، وانطلاقا من العنوان ذاته، الذي يعتبر محطة هامة في
ميلاد النص وتشكله ومحطة أهم في استيعاب معنى النص وسبر أغوار دلالاته،
وهكذا كل العتبات المصاحبة، فالعنوان لم يأتي من فراغ ، فهو رغم تصدره النص
إلا أنه يلد في اللحظة التي يختمر فيها النص انطلاقا من رسوخ فكرته في
ذهن الكاتب.
كم هو جميل هذا العنوان:
الفراشات لا تعرف الغضب
أو
الفراشات لا تغضب
الفراشات لا تعرف الغضب
أو
الفراشات لا تغضب
لقد
حوا النص، بل كاد أن يلغي النص من أمامه، ويبقى وحيدا حاملا الدلالة،
شاهدا على الموقف، وافيا شافيا، محيطا بما يختلج في فكر الكاتب لحظة
الميلاد المتوترة.
ثـانـيـا:
متن النص:
تجوب في غربةٍ تفاصيل القصيدة،النقاط في مكانها...الفواصلُ كعادتها تجعل لها متنفّسا بين الكلمات..
أرهقها قليلا احتباس الأمنيات، فتسرّب لها البردُ من مكمن في حديقة اعتبرتها الجنّة الصغيرة
كأني
بالنص بني على أسطورة الحكيم الصيني "تشوانغ تسو"، ذاك الحلم الجميل الذي
ظهر مبكرا كرمز للفراشة في مدونات الفكر البشري، الذي لم تلتهمه الشفهية
التي قتلت الكثير من الإبداع، حينما حلم "تسو" بتحوله إلى فراشة وتحولت
هي إلى تسو ذاته، وتبادلا الأدوار، في حلم صعّد أحداثه نحو إشراقات النفس
الإنسانية المتوهجة، وفي رؤية وجودية تحاول الفكاك من الحيرة علها تلقى
الإجابات المريحة في لحظة تأمّل غارقة حتى لامست مدايات الكشف والتجلي،
خالصةً في النهاية أن كل شيء هو عالم مستقل بذاته، لا الفراشة "تسو" ولا
"تسو" هو الفراشة، لقد مزج هذا الحلم الجميل الأدب الصيني فبقي أثرا خالدا
يطبع الأدب الصيني القديم، وتنسج الآداب الأخرى على منواله.
ورغم
أن الرؤية الوجودية التي رامها حلم تسو تحتاج إلى الاستعانة باللغة، ومن
هنا ينفرط بهذه المفارقة الضدية الجوهرُ الأساسي أو الرؤية الوجودية
للحلم، لأن كل شيء هو عالم مستقل يستلزم أن لا يتم الاستعانة على الشيء
إلا من داخله، واللغة الناقلة إلى الواقع شيء يقع خارج الحلم، ومن هنا
وقعت القطيعة.
الليلة أُعْلِنَ على الشريط الملوّن،أعراس اللغة.
شعرتْ بأنّها تريد الغناء.... عفوا، عزف صوتها.
أعدّتْ شهوتها، وأحصت بصمت مريحٍ عدد الدمعات التي بلّلت غيوم غرفتها وهي تجهّزُ الفلك لتبحرفي حفنة ماء بين يديه.
أعدّتْ شهوتها، وأحصت بصمت مريحٍ عدد الدمعات التي بلّلت غيوم غرفتها وهي تجهّزُ الفلك لتبحرفي حفنة ماء بين يديه.
الليلُ هنا بلون النبيذ...والانتظار مرهق، يحفرُ ثورته في الغبطة المُرّة.
ظلّتتتشمّس في نفسها، فراشة ضاحكة تعرك حيرتها من صلصال القصيدة ثم تعجنهابالندى والمطر والعسل ، فتصعد منها بين الفينة والأخرى تنهيدة مليئةبالحمام وهي تصبّ صوتها على سلّم الموسيقى.
هل تسمعها الحديقة يا ترى؟؟
تسال (تسأل) نفسها فجاة (فجأة) ثم تطرق لتداعب أجنحتها الملوّنة.
تقف عند شرفة الانتظار غير عابئة بالبرد المتسرّب إليها من بين شقوق أرض، تريد أن ترى السماء
لقد
مضى حلم تسو وطوته السنين حتى عاد إليه جاك لاكان، واستثمر ذاك الحلم
واستفاد من خبرة تسو الوجودية ليبين دور التحليل النفسي واللاوعي في الأدب
مستعينا بتلك الحالة المرضية "الخوف من الفراشات" التي عالجها عالم النفس
الشهير فرويد، ليبني عليها جاك لاكان رأيه الحصيف،
لقد اهتدى إلى أن الإنسان في أمس الحاجة إلى نقل تجاربه الشخصية التي لم
يطلع عليها غيره إلى العالم الخارجي واعياً مدركاً، ناقلا إياها من
اللاوعي، وحينما يتماس الوعي الذي يريد البوح مع اللاوعي الذي يريد الكتم،
يتحرك العقل وتمد آلياته المعرفية الإنسان باللغة، لينقل من اللاوعي إلى
الوعي باللغة، أي ينقل تلك الرموز المختزنة في دهاليز اللاوعي المعتمة إلى
النور، ولن يكون هذا النقل إلى بوسيلة وحيدة هي اللغة بمفهومها الأعم
الأشمل وهو كونها جوهريا رموز فعالة، أي ناقلة مترجمة متحركة نشطة. ومن
هنا أثّر وأثرى كثيرا حلم تشوانغ النظريات النقدية الحديثة وفجر كوامن
النصوص.
وتأسيسا
على ما سبق بيانه، حُقَّ لنا التساؤل: هل ولد نص الكاتبة سليمى السرايري
من فراغ؟ ولن يتربص بنا الجواب كثيرا، بل يأتي بديهيا مطواعا سهلا يسيرا
بـ : كلا.
إذا،
هي ملابسات أحاطت بلحظات الحبل، الحمل، المخاض والولادة، فليس في الوسع
أن يولد النص مجنحا محلقا في الأفق الشفيف دفعة واحدة، بل تسايق له ما
أهله للاكتمال، فقد جاء يروم القرب وهو يوغل في الابتعاد، يروم الحب وهو
يسرى في مجرى الكره، يريد الخير وتحيطه الشرور، لا يعرف الغضب وتنسبك منه
الدمعات، تريد الفراشة الشفيفة أن تزف روحها المشرقة إلى مسارح الأنوار
الحارقة ويعيقها المكان ورواده وجمهور الحضور، تريد أن تفرَح وتفرِح
ويؤخرها ذاك الركب الصلف المتربص، تتشمس في نفسها، منكفئة رغم انطلاقة
روحها وعشقها للتحليق بين ورد الرُبا وتل الزهور، فيشعرها الانكفاء
والانكسار ببرودة تعتليها، ورغم أن البرد ليس وسط عيشها الحيوي، ولا هو من
أجواءها المميزة التي تقيم فيها الأعراس، ورغم يقينها أنه قاتلها
ومهلكها، لكنها لا تخشى الهلاك وإنما تريده موتاً بلذة العشق، ولن يكون
الفناء للمعشوقة الجميلة ذات الألوان إلا حول لهب الحب، أو حول نار الحرق،
تريده أن يكون ذوبانا، لتتجلى المشاهد البعيدة المحجوبة، فالسعادة لا
تكتمل إلا إذا كان معها فناء الذات حد الذوبان.
لم
تكن الشاعرة سليمى بدعا من الشعراء الذين شبهوا أنفسهم بالفراشات، وإن
كانت الفراشة أنسب تشبيها للأنثى، فقد رأينا الشعراء من الرجال سابقوها إلى
ذات التوصيف،
فالشاعر الأيوبي سليمان العجمي (1258م) يصف حاله:
لهيب الخـدِّ حين بدا لعيـني ***هـوى قلـبي عليه كالفراش
فأحـرقه فصـار عليه خـالاً *** وها أثر الدخان على الحواشي
لهيب الخـدِّ حين بدا لعيـني ***هـوى قلـبي عليه كالفراش
فأحـرقه فصـار عليه خـالاً *** وها أثر الدخان على الحواشي
ورغم
أن الفراشة ارتبطت في الأذهان بالجهل والموت والضعف فإن العجب كل العجب
من هذا الشاعر، الذي توصّـف بالفراشة الرقيقة العاشقة المولهة، والأرض من
حوله تداس بخيول التتار والناس تباد بالطاعون.
لقد
راقب الإنسان تلك الظاهرة التي تلازم النار مع الفراش، حين ينجذب إليها
حتى تفنيه وتحتويه، فيذوب وكأنه يريد أن يركب معارج الوصول إلى شبق الحب
الرفيع، في قمة المنتهى، على طريقة أهل العرفان الناظرين في الملكوت، فاتخذ
الشعراء تلك الصورة عنصرا شعرياًّ، ووظفوه في الحب والعشق والقرب والبعد
هجاءً ومديحاً.
لقد
استعملت الكاتبة هذه العنصر الشعري لتلقي به في وجه الألم الذي واجهها،
وحاول استفزازها، لتقول أن الفراشات لا تعرف الغضب ولا تُسْتَفَزُ، حتى وإن
حُوِّل طريقها إلى القرّ وحُفَّ بالزمهرير، فقلبها لا يقرّ إلا بالموت،
فالبرد والحر كلاهما يحيلان إلى عشقها الأبدي.
لقد
تعمدت الترميز بالفراشة لنفسها مستعيرة معنى جمالها الحسي، ومستعيرة منها
معناها المعنوي الشعري، وهو تشبعها بالحب حتى مع أعدائها الذين حاولوا أن
يفوتوا عليها طريق حبها السرمدي، كما يعبث بها الأطفال وهي تمنحهم آيات
الجمال.
لقد
بينت أنها فوق النظرة الأرضية المنحدرة، المتمسكة بجذوة التراب، لأنها
تريد قربا من الملكوت البعيد العالي، حيث الصفاء والنقاء ولو أتى بطريق لا
تأباه، لكنه في النهاية موصل إلى الحقيقة التي تتغشاها، ومن هنا جبلت على
الحب وجبلت على عدم الغضب. تشبه في هذه الصورة البديعة الوجودية العميقة
ما يرمز له برحلة روح المتصوف وتلاشيها في الجمال الإلهي، فالتحول في
الصورة الشعرية وجهةَ الرمز يُعَد خفقةً أساسية في النبض الإبداعي، حيث
تتجسد المجرداتُ في صور حسِّية ملموسة .
واصلت الفراشة عشقها بصمت، بعدما اكتشفت أن الحديقة باردة جدّا جدّا وقد تهاطل الغيم وتصاعد صرير الرماد.
داهمتها ريح عارية وطيور عجاف، فأصبح المدى جثثا بيضاء طافت بذات القصيدة.
لمحت في البعد لذّة الموت عشقا تطير على جناح اللحظة الهاربة.
نادت صوتها الهاربمنهاأيضاخلف القصيدة، فضاع في الريح وازداد الغبار اتّساعا....
نادت صوتها الهاربمنهاأيضاخلف القصيدة، فضاع في الريح وازداد الغبار اتّساعا....
هناك في الطرف الآخر من مكان الاحتفال،
الحديقة تصعد منها قسوة غريبة مبطّنة بطبقات سميكة من اللاّمبالاة والفراشة تفكّ ضفائرها بالزغاريد لأجراس الغيوم.
الحديقة تصعد منها قسوة غريبة مبطّنة بطبقات سميكة من اللاّمبالاة والفراشة تفكّ ضفائرها بالزغاريد لأجراس الغيوم.
ما أروع الريح تدخل مناطق الهدوء في ذاتها..
قد تهتدي كلّ القصائد إلى صوتها،
قد يتلعثم الشاعر حين يكبر في السّفر عبر صوتها....
هي الفراشة إذن، تهوي على كفّ الحرف لولا عصفور اكتمل في المشهد الأخير لعرس الكلمات.
قد تهتدي كلّ القصائد إلى صوتها،
قد يتلعثم الشاعر حين يكبر في السّفر عبر صوتها....
هي الفراشة إذن، تهوي على كفّ الحرف لولا عصفور اكتمل في المشهد الأخير لعرس الكلمات.
استدلّ بقلبه إليها ، كان هناك يعزف لحنه الفضيّ.....
هناك على خزائن الجمان.
هناك على خزائن الجمان.
طارت إليه فالتقيا عند نقطة القصيدة.
مدّ لها منديله فثقبته دموعها وجسدها الرقيق حاضن حفل الطعنات.
مدّ لها منديله فثقبته دموعها وجسدها الرقيق حاضن حفل الطعنات.
ضمّ أجنحتها برفق وجلس يسامرها، ثم همس لها :
الفراشات لا تغضب
لقد
حوّل المشهد المعتم الأفق المليء بالبياض إلى جثثٍ لفت عشقها في تلك
القصيدة أو سودت الأنشودة المعشوقة، لقد قتلوا حلمها البريء، وقتلوا معها
القصيد، ذبحوا الكلمات التي تطايرت مع الرماد إلى جثث كئيبة سدت الأفق
بالسواد.
لقد
اصطنع هذا المشهد الحزين حجم الفاجعة، ورسم هول الفجيعة، عرى من تعمد قتل
حلمها الجميل، حين لم تجد في القرب من يسعفها أو ينقذها، فكانت تعود إلى
ذاتها كل مرة علها تجد فيها القوة لتقاوم وتتجاوز اللحظة المريرة لتبقى
حية وتموت موتتها التي تعشقتها.
ولم
يكتمل المشهد إلا على صوت حانٍ دافئ، أنقذها من عذاباتها المتراكمة، مد
يده ومسح دموعها الرقيقة التي من هول ما جرى لها مزقت أطراف منديلها وتهاوت
عليه كقطرات المطر المنهمر، فكانت كإعلان عن النهاية السعيدة من كابوس
معتم.
لتعلن النهاية في الذهن أو اللاوعي بتلك المقولة ولو همسا: الفراشات لا تغضب.
لتبدأ البداية، بداية الكتابة، وبداية ميلاد النص، انطلاقا من مقولة النهاية.
ليتكون النص في رحم الكتابة محشورا بين دفتي البداية والنهاية، أو بين دفتي الوعي واللاوعي.
على الهامش:
وتحياتي العطرة المزهرة العائدة على الكاتبة بالثمرة
وكل التوفيق للمبدعة سليمى
*******************
وكل التوفيق للمبدعة سليمى
*******************
5-صادق حمزة منذر
حوار نقدي عال بامتياز يناقش تفاصيل ومفاتيح مهمة في المشهد الإبداعي
لكاتبة القصيدة .. لم يكن لديها مانع أن تخوض هذه التجربة الصعبة والخطرة بأن
تدخلنا إلى عالمها الإبداعي لنطل على هذه الحالة التي تعيشها .. حالة الولادة الإبداعية ..
فربما كانت تغلبت على مخاوفها أو أنها قفزت مدفوعة بمخاوفها نحو الأمام لتسقط في قلب الحدث
الإبداعي وتواجه الشروع بالكتابة مكشوفة الظهر أمام المتلقي وهذه شجاعة خانت الكثير من المبدعين
العظماء كأصحاب الحوليات الذين أبقوا محاولاتهم الإبداعية في الظلمة طويلا جدا ..
لكاتبة القصيدة .. لم يكن لديها مانع أن تخوض هذه التجربة الصعبة والخطرة بأن
تدخلنا إلى عالمها الإبداعي لنطل على هذه الحالة التي تعيشها .. حالة الولادة الإبداعية ..
فربما كانت تغلبت على مخاوفها أو أنها قفزت مدفوعة بمخاوفها نحو الأمام لتسقط في قلب الحدث
الإبداعي وتواجه الشروع بالكتابة مكشوفة الظهر أمام المتلقي وهذه شجاعة خانت الكثير من المبدعين
العظماء كأصحاب الحوليات الذين أبقوا محاولاتهم الإبداعية في الظلمة طويلا جدا ..
في مستهل اشتعالها واشتغالها بتحضير أجواء المشهد الإبداعي على الورق أطلت بحركة دؤب تشبه
إلى حد كبير حركة ملكة النحل المثابرة وهي تعد قصرها الملكي لاستقبال مواليد جدد فبدأت
إلى حد كبير حركة ملكة النحل المثابرة وهي تعد قصرها الملكي لاستقبال مواليد جدد فبدأت
" تجوب في غربةٍ تفاصيل القصيدة .."
أطلت علينا بحركة دؤوبة مثمرة .. مستمرة تكاد لا تتوقف بحركة دائرية تستعيد كل تفاصيل المكان - الجسد
استعدادا لاستقبال روح جديدة
استعدادا لاستقبال روح جديدة
" .النقاط في مكانها...الفواصلُ كعادتها تجعل لها متنفّسا بين الكلمات.. "
كل هذا بدا مستنسخا لديها من حلم سابق جميل لم تتوانى عن المضيقدما في محاولة استيلاده في
عالم الكتابة .. عالم الجسد .. متجاوزة كل صعوبات التجسد ومنتصرة على كل مشاعر الوهن والقنوط
والتراخي .. وقاومت بشدة مكامن ضعفها ..
عالم الكتابة .. عالم الجسد .. متجاوزة كل صعوبات التجسد ومنتصرة على كل مشاعر الوهن والقنوط
والتراخي .. وقاومت بشدة مكامن ضعفها ..
" أرهقها قليلا احتباس الأمنيات، فتسرّب لها البردُ من مكمن في حديقة اعتبترها الجنّة الصغيرة .. "
وبات كل شيء جاهز لاستقبال الوليد - الرسول الجديد وأعلنت البشارة
في أرجاء المكان ( أرض التجسد )
في أرجاء المكان ( أرض التجسد )
" الليلة أُعْلِنَ على الشريط الملوّن، أعراس اللغة. "
وابتدأت تقلصات المخاض .. وبدأت ارتعاشات الحياة تهز أطراف المكان
فالروح الحي على وشك الانبعاث ولا بد للأم من أن تشعر بتقلصات الولادة
العنيفة تقربها من لحظة تجسد الحلم الوشيك ..ولا بد لمشاعر الفرح الممزوج بآلام الولادة
من أن تغسل معالم المشهد بدموع الدفء المحرر للحياة في شرايين الجسد .. ولابد في هذه
اللحظة الحاسمة من حضور الأب الشرعي للوليد ليكون شاهد عناء وشريك مسؤولية في مصير
هذا الوليد القادم .. حتى ولو كان حضور هذا الأب مجرد طيف تستقدمه أماني وآمال الأم ..
فالروح الحي على وشك الانبعاث ولا بد للأم من أن تشعر بتقلصات الولادة
العنيفة تقربها من لحظة تجسد الحلم الوشيك ..ولا بد لمشاعر الفرح الممزوج بآلام الولادة
من أن تغسل معالم المشهد بدموع الدفء المحرر للحياة في شرايين الجسد .. ولابد في هذه
اللحظة الحاسمة من حضور الأب الشرعي للوليد ليكون شاهد عناء وشريك مسؤولية في مصير
هذا الوليد القادم .. حتى ولو كان حضور هذا الأب مجرد طيف تستقدمه أماني وآمال الأم ..
" شعرتْ بأنّها تريد الغناء.... عفوا، عزف صوتها.
أعدّتْ شهوتها، وأحصت بصمت مريحٍ عدد الدمعات التي بلّلت غيوم غرفتها
وهي تجهّزُ الفلك لتبحر في حفنة ماء بين يديه. .. "
أعدّتْ شهوتها، وأحصت بصمت مريحٍ عدد الدمعات التي بلّلت غيوم غرفتها
وهي تجهّزُ الفلك لتبحر في حفنة ماء بين يديه. .. "
بدأت ساعات المخاض والولادة تطول وتزداد اشتعالا وألما في قلب
أفراح الحدث السعيد .. ليس الأمر سهلا ويحتاج الكثير من الصبر
والجهد والإجهاد .. وعلى المولود العبوور من عنق زجاجة الظلمة
نحو طاقة النور المندفعة من قرص شمس أخرى ثاقبة .. وعليه
أن يحمل ما تشكل لديه في عالمه الجنيني من المواصفات الدقيقة
والصارمة التي تجيز له العبور نحو النور بكفاءة عالية ..
أفراح الحدث السعيد .. ليس الأمر سهلا ويحتاج الكثير من الصبر
والجهد والإجهاد .. وعلى المولود العبوور من عنق زجاجة الظلمة
نحو طاقة النور المندفعة من قرص شمس أخرى ثاقبة .. وعليه
أن يحمل ما تشكل لديه في عالمه الجنيني من المواصفات الدقيقة
والصارمة التي تجيز له العبور نحو النور بكفاءة عالية ..
" الليلُ هنا بلون النبيذ...والانتظار مرهق، يحفرُ ثورته في الغبطة المُرّة.
ظلّت تتشمّس في نفسها، فراشة ضاحكة تعرك حيرتها من صلصال القصيدة ثم تعجنها بالندى والمطر والعسل ، فتصعد منها بين الفينة والأخرى تنهيدة مليئة بالحمام وهي تصبّ صوتها على سلّم الموسيقى. "
ظلّت تتشمّس في نفسها، فراشة ضاحكة تعرك حيرتها من صلصال القصيدة ثم تعجنها بالندى والمطر والعسل ، فتصعد منها بين الفينة والأخرى تنهيدة مليئة بالحمام وهي تصبّ صوتها على سلّم الموسيقى. "
لقد تمت الولادة ..!! الآن بدأ العالم أفراحه باستقبال الوليد الجديد
وها هو الخبر تزفه زغرودة جسدها صوت تنهدات الأم .. ولكن ترى هل
وصل الخبر إلى الأب .. سؤال داعب مشاعر الأم المنهكة والمجهدة
بآثار الولادة وهي تحاول التقاط أنفاسها وترتيب نفسها و تزيين نفسها
استعدادا للقاء الأب .. كل هذا جميل ورائع ولكن الوقت الذي يمر بانتظار
حضور الأب يسوق إليها اليأس .. فكان متسع لها للدعاء والتوجه نحو السماء مانحة الحياة ..
وها هو الخبر تزفه زغرودة جسدها صوت تنهدات الأم .. ولكن ترى هل
وصل الخبر إلى الأب .. سؤال داعب مشاعر الأم المنهكة والمجهدة
بآثار الولادة وهي تحاول التقاط أنفاسها وترتيب نفسها و تزيين نفسها
استعدادا للقاء الأب .. كل هذا جميل ورائع ولكن الوقت الذي يمر بانتظار
حضور الأب يسوق إليها اليأس .. فكان متسع لها للدعاء والتوجه نحو السماء مانحة الحياة ..
" هل تسمعها الحديقة يا ترى؟؟ "
تسال نفسها فجاة ثم تطرق لتداعب أجنحتها الملوّنة.
تقف عند شرفة الانتظار غير عابئة بالبرد المتسرّب إليها من بين شقوق أرض ، تريد أن ترى السماء. "
تسال نفسها فجاة ثم تطرق لتداعب أجنحتها الملوّنة.
تقف عند شرفة الانتظار غير عابئة بالبرد المتسرّب إليها من بين شقوق أرض ، تريد أن ترى السماء. "
وانخرطت الأم في ابتهال صامت .. يزداد تهجدا مع مرور الوقت واتساع
مساحة اليأس في نفسها تؤججه مشاهد فراقهما السوداء التي ألقتبظلالها على نوافذ
روحها العاشقة .. وبدأت فرحتها تغتال في نفسها وأسقطت أشباح الذكريات الرمادية
كرنفالية الولادة السعيدة ..
مساحة اليأس في نفسها تؤججه مشاهد فراقهما السوداء التي ألقتبظلالها على نوافذ
روحها العاشقة .. وبدأت فرحتها تغتال في نفسها وأسقطت أشباح الذكريات الرمادية
كرنفالية الولادة السعيدة ..
" واصلت الفراشة عشقها بصمت، بعدما اكتشفت أن الحديقة باردة جدّا جدّا وقد تهاطل الغيم
وتصاعد صرير الرماد.
داهمتها ريح عارية وطيور عجاف، فأصبح المدى جثثا بيضاء طافت بذات القصيدة. "
وتصاعد صرير الرماد.
داهمتها ريح عارية وطيور عجاف، فأصبح المدى جثثا بيضاء طافت بذات القصيدة. "
بدأت تتسلل إلي نفسها أفكار سوداوية تزداد اتساعا وتحرق فسحة
الأمل تدفعها باضطراد نحو الجنون وتقربها من فكرة الانتحار .. كل ملامح
الحياة كانت تجتازها مبتعدة لتبقى وحيدة في مهب الريح .. مع أن
الاحتفالات بالمولود وأمه انطلقت في أرجاء المكان الذي بقي بالنسبة
للأم باردا و تكتنفه فظاعة وقسوة غياب الشريك اللامبالي أمام صبرها
وأملها وانتظارها ..
الأمل تدفعها باضطراد نحو الجنون وتقربها من فكرة الانتحار .. كل ملامح
الحياة كانت تجتازها مبتعدة لتبقى وحيدة في مهب الريح .. مع أن
الاحتفالات بالمولود وأمه انطلقت في أرجاء المكان الذي بقي بالنسبة
للأم باردا و تكتنفه فظاعة وقسوة غياب الشريك اللامبالي أمام صبرها
وأملها وانتظارها ..
" لمحت في البعد لذّة الموت عشقا تطير على جناح اللحظة الهاربة.
نادت صوتها الهارب منها أيضا خلف القصيدة، فضاع في الريح وازداد الغبار اتّساعا....
هناك في الطرف الآخر من مكان الاحتفال،
الحديقة تصعد منها قسوة غريبة مبطّنة بطبقات سميكة من اللاّمبالاة والفراشة تفكّ ضفائرها
بالزغاريد لأجراس الغيوم. "
نادت صوتها الهارب منها أيضا خلف القصيدة، فضاع في الريح وازداد الغبار اتّساعا....
هناك في الطرف الآخر من مكان الاحتفال،
الحديقة تصعد منها قسوة غريبة مبطّنة بطبقات سميكة من اللاّمبالاة والفراشة تفكّ ضفائرها
بالزغاريد لأجراس الغيوم. "
في قمة اليأس .. يعبر الأمل متسللا إلى نفسها عاكسا اتجاه الريح
ومقربا نحوها الأشياء .. لتبدأ الصورة بالابتعاد عن القتامة والإشراق من جديد ..
عبر أقنية الاحتمالات .. أليس ممكنا أن يأتي ولو تائها ..؟؟
أليس ممكنا أن يصل إليه نداؤها فينكسر أمامه..؟؟؟
أليس ممكنا أن يعود فيلتقيها .. ؟؟
ومقربا نحوها الأشياء .. لتبدأ الصورة بالابتعاد عن القتامة والإشراق من جديد ..
عبر أقنية الاحتمالات .. أليس ممكنا أن يأتي ولو تائها ..؟؟
أليس ممكنا أن يصل إليه نداؤها فينكسر أمامه..؟؟؟
أليس ممكنا أن يعود فيلتقيها .. ؟؟
" ما أروع الريح تدخل مناطق الهدوء في ذاتها..
قد تهتدي كلّ القصائد إلى صوتها،
قد يتلعثم الشاعر حين يكبر في السّفر عبر صوتها.... "
قد تهتدي كلّ القصائد إلى صوتها،
قد يتلعثم الشاعر حين يكبر في السّفر عبر صوتها.... "
كانت له تختزن الأجنة .. وله تحمل الحلم وتنتظر مسيرة الحياة
لتضمهما في مشهد واحد .. اختارت أن تكون الفراشة المبشرة
باحتراق جناحيها كلما اقتربت من شعلة النور دون أن تتوب أو
تتراجع .. وتتابع الاحتراق بشمس الكتابة .. وتحت أشعتها يلتقيان
ويجمعان اللآلئ ..
لتضمهما في مشهد واحد .. اختارت أن تكون الفراشة المبشرة
باحتراق جناحيها كلما اقتربت من شعلة النور دون أن تتوب أو
تتراجع .. وتتابع الاحتراق بشمس الكتابة .. وتحت أشعتها يلتقيان
ويجمعان اللآلئ ..
" هي الفراشة إذن، تهوي على كفّ الحرف لولا عصفور اكتمل في المشهد الأخير لعرس الكلمات.
استدلّ بقلبه إليها ، كان هناك يعزف لحنه الفضيّ.....
هناك على خزائن الجمان. "
استدلّ بقلبه إليها ، كان هناك يعزف لحنه الفضيّ.....
هناك على خزائن الجمان. "
وتطل علينا في المشهد الأخير .. في البيت الأخير من معالم القصيدة ..
على مائدة الحرف .. طارت إليها وتعانقا عناق أحبة بعد طول فراق ..
كانت تغسلها دموع الشوق الفرح والعتب .. وكان صوت سقوطها بين يديه
طاغيا على صوت جراح الهجران والبعد .. وباشتعال رومانسي أزرق اللهب
أعادها إلى الحياة على متن مسامرة هامسة تقتحم بهدوئها معالم الغضب والاحتراق ..
بعنوان أصبح إسما للوليد الجديد .. الفراشات لا تغضب ..
على مائدة الحرف .. طارت إليها وتعانقا عناق أحبة بعد طول فراق ..
كانت تغسلها دموع الشوق الفرح والعتب .. وكان صوت سقوطها بين يديه
طاغيا على صوت جراح الهجران والبعد .. وباشتعال رومانسي أزرق اللهب
أعادها إلى الحياة على متن مسامرة هامسة تقتحم بهدوئها معالم الغضب والاحتراق ..
بعنوان أصبح إسما للوليد الجديد .. الفراشات لا تغضب ..
" طارت إليه فالتقيا عند نقطة القصيدة.
مدّ لها منديله فثقبته دموعها وجسدها الرقيق حاضن حفل الطعنات.
ضمّ أجنحتها برفق وجلس يسامرها، ثم همس لها :
الفراشات لا تغضب. "
مدّ لها منديله فثقبته دموعها وجسدها الرقيق حاضن حفل الطعنات.
ضمّ أجنحتها برفق وجلس يسامرها، ثم همس لها :
الفراشات لا تغضب. "
قصيدة دافئة جدااا .. وذات هيكلية وروح وثابة حملتنا بارتحال شيق بين
أروقتها .. فيها الكثير من الحركة والإبهار المشهدي الكرنفالي .. وضعت
فيها حالة الولادة الإبداعية على سرير اللغة في غرفة التوليد وكانت
الولادة طبيعية ولم تحتج الأم لأية عملية قيصرية .. ..
أروقتها .. فيها الكثير من الحركة والإبهار المشهدي الكرنفالي .. وضعت
فيها حالة الولادة الإبداعية على سرير اللغة في غرفة التوليد وكانت
الولادة طبيعية ولم تحتج الأم لأية عملية قيصرية .. ..
تحيتي وتقديري للكاتبة
*************************
*************************
6- سلام الكردي
مهما تكن إرادة القارئ قوية,ويحاول النأي بنفسه عن مضامين النصوص,والحؤول دون إشراك نفسه في المقت الحاصل بين الكلمة والسطر..أو بين الكاتب والنص,لا يصيبه منها شظية حزن ولا غيمة سوداء تمر من فوق راسه فتمطر..أو جدب تبتلى فيه الصفحة وينتثر كالغبار في صحراء قد لا يدرك مدى شساعتها سواه..ويقبل على ليل بارد جداً..تلسعه فيه فراشة..
خاصة حين يكون دمشقياً لا يمكنه تجاهل رقة الفراش ونعومة الجناح وموته المحتوم لو مسه البرد..ليأخذني نص الكاتبة في جزئيته الاولى وأنا الدمشقي المبتلُّ بالرحيق,المسافر على جناحين صغيرين,ناعمين يبدوانت كبساط الريح وسندباد واصدقائه المخلصين..تأخذني هذه الجزئية إلى أعماق النص الذي لا أظن أنه يختلف عن أعماق كاتبته..يأخذني إلى حيث يلوث البرد الحدائق..في زوايا معتمة على ما يبدو,لا يطالها الصباح كثيراً وأنا من يدرك أن في الحديقة ثمة حياة تصر على التشكل بهيئة فراشة تارة,ودوري تارة أخرى,وببغاء يثرثر تارة أخرى وأخرى وأخرى وأخرى,حيوات لا تنقضي إلا بمدينة أفلاطونية فاضلة حد الكمال..
لا أتقبل فكرة الموت ,ولا أفهم كيف يمكن للزوايا ألا يطالها الصباح,وأن تُغضِب الفراشات..كل هذا وأكثر حملتني إليه جزئية في نص الكاتبة كانت الأقرب إلى نفسي..ذلك في قولها:
تجوب في غربةٍ تفاصيل القصيدة،النقاط في مكانها...الفواصلُ كعادتها تجعل لها متنفّسا بين الكلمات..
أرهقها قليلا احتباس الأمنيات، فتسرّب لها البردُ من مكمن في حديقة اعتبترها الجنّة الصغيرة .
الليلة أُعْلِنَ على الشريط الملوّن، أعراس اللغة.
شعرتْ بأنّها تريد الغناء.... عفوا، عزف صوتها.
أعدّتْ شهوتها، وأحصت بصمت مريحٍ عدد الدمعات التي بلّلت غيوم غرفتها وهي تجهّزُ الفلك لتبحر في حفنة ماء بين يديه.
من ثم أكمل لأتساءل عمن تتحدث الكاتبة في قولها "يديه" على من تعود الهاء ولمن يكون هذا الضمير النتصل,الذي يبدو لي انه متصل أكثر من اللزوم وفي رواية أخرى لي"أكثر من العادة" وفوق ما يمكن وصفه بالاتصال, ليبدو التحاماً مقدساً,يستحق الصمت المريح والغرفة والفُلك,حيث أن من يقوم بذلك كله"فراشة" ومتى كان للفراش أن يكون اقل من ذلك إمعاناً في الحب..
بالمناسبة أنا لم أتطرق إلى الحب في الحديث عن فراشة تلقفها البرد في زاوية معتمة من الحديقة,لا يطالها الصباح ولا تشرق على أرضها الشمس..ذلك لأني دمشقي,ولأني أعلم أن الفراش يختصر كل ما يقال عن الحب,ولا يمكن للحب أن يعبر عنه إلا بكلمات قد تبدو مستهلكة في كثير من الأماكن والمحافل الأدية منها والاجتماعية منها والإنسانية المرتبطة بأصول حدائقية متميزة,ارتباطاً وثيقاً إلى حد الامتزاج بالزهر والأرض والسماء والصباح وجميع مقومات الجمال..
ثم يؤلمني ليل بلون النبيذ ,أو بطعمه لا فرق,لكن التوتر أصاب هذا الجزء من النص وأصاب قارئه وأظنه شظية تنطلق من أعماق الكاتبة لتبدو على سطح الورق بكل هذه القتامة المؤكدة على نحو غيرعادي,إلا أن السطر يصفح,والصفحة لا تتألم,لأن الفراشات عاد ة ما لا تغضب..
لليلُ هنا بلون النبيذ...والانتظار مرهق، يحفرُ ثورته في الغبطة المُرّة.
ظلّت تتشمّس في نفسها، فراشة ضاحكة تعرك حيرتها من صلصال القصيدة ثم تعجنها بالندى والمطر والعسل ، فتصعد منها بين الفينة والأخرى تنهيدة مليئة بالحمام وهي تصبّ صوتها على سلّم الموسيقى.
هل تسمعها الحديقة يا ترى؟؟
والقصيدة المكتوبة بالرحيق,تبدو كدعاء صبية دمشقية,تدركها دمعة حارة,تشعل الخدين بنارِ غيرعادية,لتنطق بدعاء ضئيل المساحة,قليل الكلمات"يارب يوفقك ويبعد عنك ولادين الحرام" تنطقها ثم ترفع الكفين يلامسان وجهها المحموم بما تبقى من الكلمات لم تجرؤ على نطقها بعد,تخشى ما تخشاه أن يدركها الموت قبل أن تحين الفرصة لتقول ما كانت قد نوت على قوله لذلك المعنيُّ بالهاء,ضميرها المتصل بيديه..من ثم لا تنفك تتعب ويدركها النوم فلا تعبأ سوى بفراشة أخرى لا تغضب ولا يمكنها أن تفعل لولا أن البرد منها كان له نصيب الاسد.
سليمى السرايري..الكاتبة المرهفة الحس..تبدو فراشتك غاضبة جداً غير أنها لا تريد أن تغضب فتصر على القول بأن الفراش لا يغضب..اسعدني أن قرأت هذا النص فشكراً جزيلاً لك.
*****************
مهما تكن إرادة القارئ قوية,ويحاول النأي بنفسه عن مضامين النصوص,والحؤول دون إشراك نفسه في المقت الحاصل بين الكلمة والسطر..أو بين الكاتب والنص,لا يصيبه منها شظية حزن ولا غيمة سوداء تمر من فوق راسه فتمطر..أو جدب تبتلى فيه الصفحة وينتثر كالغبار في صحراء قد لا يدرك مدى شساعتها سواه..ويقبل على ليل بارد جداً..تلسعه فيه فراشة..
خاصة حين يكون دمشقياً لا يمكنه تجاهل رقة الفراش ونعومة الجناح وموته المحتوم لو مسه البرد..ليأخذني نص الكاتبة في جزئيته الاولى وأنا الدمشقي المبتلُّ بالرحيق,المسافر على جناحين صغيرين,ناعمين يبدوانت كبساط الريح وسندباد واصدقائه المخلصين..تأخذني هذه الجزئية إلى أعماق النص الذي لا أظن أنه يختلف عن أعماق كاتبته..يأخذني إلى حيث يلوث البرد الحدائق..في زوايا معتمة على ما يبدو,لا يطالها الصباح كثيراً وأنا من يدرك أن في الحديقة ثمة حياة تصر على التشكل بهيئة فراشة تارة,ودوري تارة أخرى,وببغاء يثرثر تارة أخرى وأخرى وأخرى وأخرى,حيوات لا تنقضي إلا بمدينة أفلاطونية فاضلة حد الكمال..
لا أتقبل فكرة الموت ,ولا أفهم كيف يمكن للزوايا ألا يطالها الصباح,وأن تُغضِب الفراشات..كل هذا وأكثر حملتني إليه جزئية في نص الكاتبة كانت الأقرب إلى نفسي..ذلك في قولها:
تجوب في غربةٍ تفاصيل القصيدة،النقاط في مكانها...الفواصلُ كعادتها تجعل لها متنفّسا بين الكلمات..
أرهقها قليلا احتباس الأمنيات، فتسرّب لها البردُ من مكمن في حديقة اعتبترها الجنّة الصغيرة .
الليلة أُعْلِنَ على الشريط الملوّن، أعراس اللغة.
شعرتْ بأنّها تريد الغناء.... عفوا، عزف صوتها.
أعدّتْ شهوتها، وأحصت بصمت مريحٍ عدد الدمعات التي بلّلت غيوم غرفتها وهي تجهّزُ الفلك لتبحر في حفنة ماء بين يديه.
من ثم أكمل لأتساءل عمن تتحدث الكاتبة في قولها "يديه" على من تعود الهاء ولمن يكون هذا الضمير النتصل,الذي يبدو لي انه متصل أكثر من اللزوم وفي رواية أخرى لي"أكثر من العادة" وفوق ما يمكن وصفه بالاتصال, ليبدو التحاماً مقدساً,يستحق الصمت المريح والغرفة والفُلك,حيث أن من يقوم بذلك كله"فراشة" ومتى كان للفراش أن يكون اقل من ذلك إمعاناً في الحب..
بالمناسبة أنا لم أتطرق إلى الحب في الحديث عن فراشة تلقفها البرد في زاوية معتمة من الحديقة,لا يطالها الصباح ولا تشرق على أرضها الشمس..ذلك لأني دمشقي,ولأني أعلم أن الفراش يختصر كل ما يقال عن الحب,ولا يمكن للحب أن يعبر عنه إلا بكلمات قد تبدو مستهلكة في كثير من الأماكن والمحافل الأدية منها والاجتماعية منها والإنسانية المرتبطة بأصول حدائقية متميزة,ارتباطاً وثيقاً إلى حد الامتزاج بالزهر والأرض والسماء والصباح وجميع مقومات الجمال..
ثم يؤلمني ليل بلون النبيذ ,أو بطعمه لا فرق,لكن التوتر أصاب هذا الجزء من النص وأصاب قارئه وأظنه شظية تنطلق من أعماق الكاتبة لتبدو على سطح الورق بكل هذه القتامة المؤكدة على نحو غيرعادي,إلا أن السطر يصفح,والصفحة لا تتألم,لأن الفراشات عاد ة ما لا تغضب..
لليلُ هنا بلون النبيذ...والانتظار مرهق، يحفرُ ثورته في الغبطة المُرّة.
ظلّت تتشمّس في نفسها، فراشة ضاحكة تعرك حيرتها من صلصال القصيدة ثم تعجنها بالندى والمطر والعسل ، فتصعد منها بين الفينة والأخرى تنهيدة مليئة بالحمام وهي تصبّ صوتها على سلّم الموسيقى.
هل تسمعها الحديقة يا ترى؟؟
والقصيدة المكتوبة بالرحيق,تبدو كدعاء صبية دمشقية,تدركها دمعة حارة,تشعل الخدين بنارِ غيرعادية,لتنطق بدعاء ضئيل المساحة,قليل الكلمات"يارب يوفقك ويبعد عنك ولادين الحرام" تنطقها ثم ترفع الكفين يلامسان وجهها المحموم بما تبقى من الكلمات لم تجرؤ على نطقها بعد,تخشى ما تخشاه أن يدركها الموت قبل أن تحين الفرصة لتقول ما كانت قد نوت على قوله لذلك المعنيُّ بالهاء,ضميرها المتصل بيديه..من ثم لا تنفك تتعب ويدركها النوم فلا تعبأ سوى بفراشة أخرى لا تغضب ولا يمكنها أن تفعل لولا أن البرد منها كان له نصيب الاسد.
سليمى السرايري..الكاتبة المرهفة الحس..تبدو فراشتك غاضبة جداً غير أنها لا تريد أن تغضب فتصر على القول بأن الفراش لا يغضب..اسعدني أن قرأت هذا النص فشكراً جزيلاً لك.
*****************
7- توفيق بن حنيش
حبتني هذه العشيّةُ بهديّة قلّما أحظى بها في هذا الزمان الذي تناسل فيه "المبدعون"وتكاثروا حتّى حجب ادناهم اقصاهم ...أما بعد :
ماهي وظيفة الأدب إذا لم يساعد على الإنتشاء بالعيش في عوالم مبدَعة ؟نعم كون هذه الفراشو بديع حتّى الذّهول فلا المكان مكان ولا الزّمان زمان ولا الشّخصيات احتفظت" بقصورها"الطبيعي الذي نعرفه لها ..كل الحكاية تدور حول فراشة في منزلها تنتظر وافدا ...المكان والزّمان يلتحمان ويتحدان ليؤلّفا قصيدة تكفي مساحتها لتكون مسرحا لحديقة وشرفة وتتسع ,وهو غريب,لنقاط وفواصل وربّما لاقواس وو ...وتكفي لتكون مساء وليلة تحتضن شريطها الملوّن ...في الزّمكان تتبلور أغنية اللغة ...هنيئا للغة ..بل ما الإنسان لو لا اللغة ؟بل أليس العالم و"عيا" لغويا؟ والزّمان ؟؟؟أيّ الزمان هو؟هو زمان ما قبل البدايات ,زمان ما قبل الكون والفساد زمان بلون"النّبيذ"إنّها اللحظات التي ترهق الشاعر فما إن يمسك بتلابيبها حتّى تنقلب في لحظتها وفي سطر القصيدة مجرّد تسميات واهية للحظات الزّمان الباهتة ...زمان النّشوة هو ذاك الزذمان الذي لا يقتله الوقت ولا يفنيه "الحدثان"زمان المنتظر على الشّرفة يصل المنتظر الذي لا يصل أبدا ...يصل صوتها الذي ستهديه "كلّ القصائد"(لاحظوا معي أنّنا بصدد ملاحقة قصائد تغور في الصّوت)لتحقّق دزرتها الأبدية ...أيتها الفراشة التي حقّقت وصال الابدية كيف حوّلت الحديقة من مجرّد فضاء أصمّ إلى "مكان شخصية "؟وكيف تحول سلم الموسيقى وعاء للالحان الجميلة ...نحن في نشوة الكون الذي يتحول فيه المنتظر إلى عصفور لتكتمل الحكاية ...
ملاحظة:مااستخرج من درر النصّ قليل قليل جدّا فطوبى للشّعراء الذين أحسدهم نعم أح س د هم
ماهي وظيفة الأدب إذا لم يساعد على الإنتشاء بالعيش في عوالم مبدَعة ؟نعم كون هذه الفراشو بديع حتّى الذّهول فلا المكان مكان ولا الزّمان زمان ولا الشّخصيات احتفظت" بقصورها"الطبيعي الذي نعرفه لها ..كل الحكاية تدور حول فراشة في منزلها تنتظر وافدا ...المكان والزّمان يلتحمان ويتحدان ليؤلّفا قصيدة تكفي مساحتها لتكون مسرحا لحديقة وشرفة وتتسع ,وهو غريب,لنقاط وفواصل وربّما لاقواس وو ...وتكفي لتكون مساء وليلة تحتضن شريطها الملوّن ...في الزّمكان تتبلور أغنية اللغة ...هنيئا للغة ..بل ما الإنسان لو لا اللغة ؟بل أليس العالم و"عيا" لغويا؟ والزّمان ؟؟؟أيّ الزمان هو؟هو زمان ما قبل البدايات ,زمان ما قبل الكون والفساد زمان بلون"النّبيذ"إنّها اللحظات التي ترهق الشاعر فما إن يمسك بتلابيبها حتّى تنقلب في لحظتها وفي سطر القصيدة مجرّد تسميات واهية للحظات الزّمان الباهتة ...زمان النّشوة هو ذاك الزذمان الذي لا يقتله الوقت ولا يفنيه "الحدثان"زمان المنتظر على الشّرفة يصل المنتظر الذي لا يصل أبدا ...يصل صوتها الذي ستهديه "كلّ القصائد"(لاحظوا معي أنّنا بصدد ملاحقة قصائد تغور في الصّوت)لتحقّق دزرتها الأبدية ...أيتها الفراشة التي حقّقت وصال الابدية كيف حوّلت الحديقة من مجرّد فضاء أصمّ إلى "مكان شخصية "؟وكيف تحول سلم الموسيقى وعاء للالحان الجميلة ...نحن في نشوة الكون الذي يتحول فيه المنتظر إلى عصفور لتكتمل الحكاية ...
ملاحظة:مااستخرج من درر النصّ قليل قليل جدّا فطوبى للشّعراء الذين أحسدهم نعم أح س د هم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق